السيد محمد تقي المدرسي
52
من هدى القرآن
هدى من الآيات : سبق وأن تحدثنا عن الإطار العام لسورة الكهف ، والذي يبين لنا نوعين من العلاقة بين الإنسان والطبيعة هما : أولًا : علاقة السيطرة والتسخير للطبيعة . ثانياً : علاقة الانبهار بما فيها من زينة . وفي هذه المجموعة من الآيات يضرب القرآن مثلًا من تلك العلاقة التي تربط الكفار بالدنيا ، فيعتمدون عليها ويحسبون إنها خالدة لهم ، ولكنها لا تلبث أن تنتهي ، وإذ ذاك يكتشفون أن العلاقة الصحيحة ينبغي أن تكون بينهم وبين ربهم ، وأن الولاية الحق هي لله لا للمال والثروة ، ولا للجاه والسلطة . بينات من الآيات : بين الشكر والكفر [ 32 ] رجل أعطاه الله جنتين ، وتوفرت له كل أسباب الزينة فبطر بها ، وبدل أن يشكر ربه اغتر بما أعطاه من ثروة ونعمة ، وبدل أن يعتز بمن أعطاه هذه النعمة ، اعتّز بالنعمة ذاتها ، في حين أن من أعطي النعمة خالد دائم والنعمة منقطعة زائلة ، وهو أولى بالشكر والعبادة منها . وحينما جادله صاحبه في هذا الأمر جدالًا حسناً ، وحاول أن يذكره وأن ينذره ويحذره من عاقبة بطره وغروره ، أخذته العزة بالإثم ، فكان مصيره أن خسر جنتيه ولم تبق له إلا أرضاً جرداء خاوية على عروشها ، قد غار ماؤها واحترق زرعها وأصبحت صعيداً جرزاً . وهكذا فقد استولت على الرجل كآبة فجرت قلبه ، وندم ندماً شديداً على اغتراره بالنعمة ، واعتزازه بالولد والعشيرة الذين لم ينفعوه شيئاً في محنته . أما ذلك الرجل الفقير بماله وعشيرته ، والغني بإيمانه بربه وتوكله عليه ، فقد أخذ يردد هناك : هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ . وفي حديثه عن الجنتين ، وعن علاقة ذلك المشرك بهما ، يبين لنا القرآن بعض ضروب وعوامل الغنى التي وفرها لنفسه ولكنها لم تغنه عن الله شيئاً ، فأصبح يقلب كفيه وليس فيهما